الخميس، 21 أغسطس، 2014

ماذا يعني أن تكون صيدلانياً اكلينيكياً؟

حيثما كنت سواء في الجامعة، أو الصيدلية، أو المستشفى فإنني أشعر دائماً أنني أحاول تثقيف من حولي عن ما يمكن للصيدلاني الإكلينيكي أن يوفره للمرضى و لبقية الطاقم الصحي الذي حوله من أطباء وممرضات.

منذ أن قبلت في كلية الصيدلة، استهوتني القراءة عن كيفية إدارة الدواء والعلاج Medication and Therapeutics Management واختصاص الصيدلة السريرية  Clinical Pharmacy، وغالباً ما كنت أشعر أنني قادم من عالم آخر عندما كنت أتحدث عن هذه المواضيع إلى أصدقائي منذ الصغر وهم جميعهم تقريبا من خارج عالمنا الصيدلاني، فجميعهم فهموا أن للطبيب دور وللصيدلاني دور أما أن يكون الصيدلاني اكلينيكياً فهي بالنسية لهم ضرب من الرفاهية الفارغة عديمة المعنى.

أثناء ممارستي للمهنة في الولايات المتحدة عملت كصيدلاني استشاري في إحدى دور المسنين، كنت في ذلك الوقت جديد العهد بالمهنة، ولست على قدرة كاملة على تسويق الخدمات الصحية التي يستطيع الصيادلة تقديمها. لست أدري إن كان هذا القصور سببه ضعفي في تسويق هذه الخدمات أو أن هذه الخدمات بحد ذاتها ليست على المستوى المطلوب أو أنه لم تكن حاجة حقيقية لها.


وكانت الصدمة الحقيقية عندما سألني أحد الإداريين في ذلك الدار سؤالاً لم أتوقعه. كان السؤال ببساطة: لماذا نحن بحاجة الى شخص آخر لمراجعة أدوية مرضانا خاصة وأنه قد تمت مراجعتها وبإسهاب من قبل الطبيب والممرضات؟ ربما لم يكن السؤال متوقعاً ولكنه كان سؤال محقاً. ربما لو كنت في مكان هذا الإداري لسألت السؤال نفسه.

إننا كصيادلة نشعر يومياً بعبء ثقيل وعقبة عملاقة نواجهها في محاولاتنا اليومية لإثبات قيمة ما نقوم به من خدمات صحية.

في ذلك الوقت، لم أكن قادراً على الإجابة بل شعرت بالغبن وعدم قدرة من حولنا على فهم أهمية ما نقدمه كصيادلة اكلينيكيين. كان يمكنني بالتأكيد أن أسرد لهذا الشخص قائمة  مطولة عن الدراسات والتقارير التي تثبت قيمة ما نقوم به والتوفير الكبير في تكاليف الرعاية الصحية عندما يقوم الصيدلاني بدوره الإكلينيكي، علاوة على تحسين النتائج الصحية المتعلقة بحالة المريض ونوعية الحياة التي سنوفرها له ورضاه عن العلاج.... ولكنني لم أفعل!!!

أحسست أن هذا السرد سيكون مملاً جداً. ورغم أني لم أجب عن هذا السؤال عندها إلا أن صداه بقي يتردد في أذني حتى الآن... الآن وبعد أكثر من 10 سنوات على هذه الحادثة أستطيع أن أقول أن لدي القدرة الحقيقية للإجابة عن هذا السؤال.

يجب أن نعترف تماماً أن من حولنا من أفراد الطاقم الصحي والإداريين لا يعرفون سوى القليل جدا عن الصيدلة. ولكن دعوني أحاول أن أفهم ماذا يجري في ذهن هذا الإداري؟

 أليس الطبيب قادراً على مراجعة أدوية مرضاه وبدقة؟ ألا يقوم الطبيب بقراءة مستفيضة للنتائج المخبرية لهؤلاء المرضى؟ ألا يأخذ الطبيب بعين الاعتبار مخاوف المريض وخصوصيته ووضعه؟ أنا متأكد أن جميع زملائي سيجيبون بالإيجاب على جميع الأسئلة السابقة.

ببساطة نحن لا نقوم  بأي شيء مختلف عما يقوم به الطبيب ظاهرياً. ورغم أننا نقوم بالأمور ذاتها إلا أننا نستخدام أدوات مختلفة. لدينا عدسة مختلفة لننظر من خلالها عند تقييمنا للمرضى، ولهذا وجب أن نعمل جميعا مع الأطباء وطاقم التمريض ضمن فريق واحد.

اسمحوا لي هنا أن أشرح ما أقول بصورة أوضح. فعندما يرى الطبيب المريض يتحول الى المراحل النهائية من فقدان الذاكرة أرى أنا كصيدلاني اكلينيكي زيادة غير مبررة في جرعة الفينوتئين أدت الى ظهور أعراضه السمية. وحين يلاحظ الطبيب جفافاً في عين مريضه، أرى تكرارا غير مبرراً للأدوية المضادة للكولينAnticholinergic Drugs. وحين يلاحظ الطبيب تفاقماً لقصور القلب عند مريضه،  ألاحظ أن المريض قد بدأ مؤخرا باستعمال دواء السيليكوكسيب Celexoxib  لمعالجة ألمه.

أما حين يرى الطبيب تفاقماً في أعراض النقرس عند مريضه، فأرى أن  الطبيب قد وصف لمريضه مؤخراً الهيدروكلوروثيازيد Hydrochlothiazide لمعالجة ضغط الدم. وأرى مشكلة كبيرة عندما يوقف الطبيب دواء الريفامبين Rifampin بصورة مفاجأة لمريضه المصاب بالتهاب نقي العظام، أو أيقافه فجأة لمريض يتناول الوارفارين من دون مراقبة (INR).

إننا كصيادلة ننظر الى مرضانا من خلال عدسة خاصة بنا هي عدسة الصيدلاني. وهو منظور يتيح لنا التركيز على مشاكل مرضانا الناتجة عن استخدام أو ايقاف أو عدم استخدام الأدوية وما يتنج عن ذلك من آثار سلبية على المرضى.

هذه هي الإجابة التي استغرقني الوصول اليها أكثر من عشر سنين...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.